الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
405
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
من وقوع الاختلاف في جواز الاحتياط لمخالفة الحلي فيه حيث عزي إليه القول بكونه محرما تشريعا فكيف يمكن القطع بحسنه مع مخالفته ومن أنه لا يمكن مراعاته في معظم العبادات لوقوع الخلاف في وجوب كثير من أجزائها واستحبابه فلا بد من مراعاة القول باعتبار الوجه من تكرار العمل وهو يصل في الغالب إلى حد لا يمكن الفراغ منه موهون بأن طريق العلم غير مسدود في هاتين المسألتين لقطع العقول بحسن الاحتياط في تفريغ الذمة بل والقطع به بملاحظة ما ورد في الشرع ومجرد وقوع الخلاف في مسألة لا يقضي بعدم إمكان تحصيل القطع فيها على أنه خلافه في محل الفرض أعني ما انسد باب العلم بالحكم وانحصر طريق العلم بتفريغ الذمة في الاحتياط مع قيام الدليل على حجية الظن بل الظاهر خلافه وكذا الحال في المسألة الثانية فإن القول بوجوب نية الوجه موهون جدا بل مقطوع بفساده سيما بعد عدم إمكان تحصيل القطع وعدم دليل على الاكتفاء بالظن ومع الغمض عن ذلك فبعد وجوب تحصيل العلم بالفراغ وكون الاحتياط طريقا إلى العلم لانحصار الطريق يجب البناء عليه ومعه يكون الإتيان بالأجزاء الدائرة بين الوجوب والندب مثلا ندبا فلا بد على القول باعتبار نية الوجه من أدائها على جهة الوجوب فلا حاجة إلى التكرار وما قد يتخيل من اتفاق الأصحاب على عدم وجوب الأخذ بالاحتياط في جميع المقامات أعني في مقام الجهل بالتكليف الإيجابي والتحريمي أو الشك في المكلف إيجابا أو منعا فكيف يمكن الالتزام في الجميع مدفوع بالالتزام به في محل الإجماع فيتمسك حينئذ فيه بالأصل والحاصل أن الأمر دائر في المقام بين القول بسقوط التكليف من جهة الأصل والأخذ بالاحتياط فيما دل على اختلافه الأدلة الظنية في الجملة لاتفاق القائل بأصالة الظن والقائل بالظنون المخصوصة عليه إلا أن كون الاتفاق المذكور حجة شرعية محل تأمل لوضوح المناقشة في كشفه عن كون الحجة كما لا يخفى على أنهم إنما قالوا به من جهة قيام الأدلة عندهم على حجية ما سواه من وجوه الأدلة فإذا فرض عدم قيام دليل عليه عندنا وعدم صحة ما ذكروه من الأدلة فكيف يجعل الاتفاق المذكور دليلا على المنع مع اختلاف الحال أو عدم حجيته مع قيام الدليل عين عدمها مع عدم قيامه وهو ظاهر والقول بأن الأخذ بالاحتياط موجب للعسر والحرج محل منع كيف والعمل به متعين بالنسبة إلى من لم يتمكن من الرجوع إلى الطرق المقررة للاستنباط ولا إلى عالم مستنبط للأحكام عن تلك الأدلة إذا أمكنه تحصيل الاحتياط في المسألة كما فصل القول فيه في مباحث الاجتهاد والتقليد فلو كان ذلك حرجا منفيا في الشريعة لما وقع التكليف به حينئذ ومع عدم تسليمه فالقول برفع العسر والحرج مطلقا مبني على العمل بإطلاق ما دل عليه من الأدلة الشرعية وهو استناد إلى الظن وقد يقال إن الرجوع إلى الأصل في غير ما يمكن فيه تحصيل القطع ولو بمراعاة الاحتياط رجوع إلى الظن أيضا فكيف يصح الرجوع إليه في التخلص عن الأخذ بالظن ويدفعه أن الأخذ بالأصل ليس من جهة حصول الظن به إذ قد لا يحصل منه الظن في المقام وإنما الأخذ به من جهة انسداد طريق الوصول إلى التكليف أعني العلم وعدم قيام دليل على الرجوع إلى غيره فيندفع التكليف لانتفاء السبيل فهو في الحقيقة رفع للتكليف لا إثبات له ومع ذلك فهو رجوع إلى العلم نظرا إلى الوجه المذكور دون الظن وبعد الغمض عن ذلك فالملحوظ في المقام هو الإيراد على الدليل المذكور والمأخوذ فيه إبطال الرجوع إلى الأصل من جهة أن فيه خروجا مما علم ثبوته في الدين وقد قررنا أنه لا يلزم ذلك القول بأنه رجوع إلى الظن على فرض تسليمه كلام آخر غير مأخوذ في الاحتجاج وبما قررنا يظهر الجواب عما قد يقال من أنا إن سلمنا جريان الاحتياط في أعمال نفسه فلا يمكن جريانه بالنسبة إلى بيان الحكم بغيره إذ من البين وجوب ذلك أيضا أو الاقتصار في ذلك على بيان الاحتياط من غير بيانه للحكم مع طلب السائل له وظنه بالحكم من الأدلة الظنية مشكل على أنه قد لا يتمكن ذلك أيضا كما إذا دار مال بين يتيمين أو غائبين أو يتيم وغائب ونحو ذلك والسكوت عن الفتوى حينئذ وترك التعرض له مشكل أيضا إذ قد يكون محرما باعثا على تلف مال اليتيم أو الغائب فإن الالتزام بجميع ذلك في خصوص تلك المقامات لا يوجب الخروج عما يقطع به من التكليف المتعلق بنا في الشريعة مما دلت عليه الضرورة ونحوها حسبما بني عليه تقرير الدليل نعم لو قرر الاحتجاج بنحو آخر أمكن جريان الكلام المذكور وسنشير إليه إن شاء الله وقد ذكر أيضا في المقام إيراد على الدليل المذكور بأن تسليم انسداد باب العلم غير مفيد في ثبوت المرام والانتقال إلى الظن في تحصيل الأحكام لإمكان الاقتصار على المعلوم مما دل عليه الضرورة والإجماع وينفي ما عداه بالأصل لا لإفادته الظن بل لحكم العقل بأنه لا يثبت علينا تكليف إلا بالعلم أو بظن قام عليه دليل علمي وفيما انتفي الأمر أن يحكم العقل بفراغ الذمة قال ويؤكد ذلك ما ورد من النهي عن اتباع الظن وعلى هذا فإذا لم يحصل العلم به على أحد الوجوه وكان لنا مندوحة عنه كغسل الجمعة فالأمر سهل للحكم إذن بجواز تركه وإن لم يكن كذلك كالجهر والتسمية أو الإخفات بها في الصلاة الإخفاتية فإنه مع وجوب أصل التسمية بالإجماع وقوع الخلاف في تعيين إحدى الكيفيتين وحينئذ نقول إن قضية حكم العقل هو البناء على التخيير لعدم ثبوت الخصوصية عندنا فلا حرج علينا في فعل شيء منها إلى أن يقوم دليل على التعيين قلت وأنت خبير بأنه ليس مبنى الاستدلال على الاستناد إلى مجرد انسداد باب العلم حتى يورد عليه بأن انسداد طريق العلم لا يوجب العمل بالظن بل اعتبر معه قيام الإجماع والظاهر على بقاء الدين والشريعة والمفروض في المقدمة القائلة بانسداد باب العلم بالأحكام على نحو يحصل به نظام الشريعة ويرتفع به القطع الحاصل من الإجماع والضرورة المفروضة مسدود قطعا وحينئذ بعد تسليم الانسداد وعدم التعرض لدفعه في المقام كيف يقابل ذلك بالاكتفاء بما دل عليه الضرورة والإجماع والرجوع فيما عداه إلى الأصل والمفروض لزوم انهدام الشريعة مع الاقتصار على ذلك كما عرفت ويمكن أن يقال إن ذلك إنما يتم إذا قلنا بعدم جريان الأصل المذكور في العبادات المجملة مطلقا أو فيما إذا كان أجزاء بعضها منوطا بالبعض مع تعين أجزائها وشرائطها على سبيل التفصيل إذ لا يصح الاقتصار على القدر المتيقن من الأجزاء لعدم العلم بكونه هو المكلف به ولا الحكم بسقوط الكل من جهة عدم تعين المكلف لما فيه من الخروج عن ضرورة الدين وأما إن قلنا بجريان الأصل فيها كما هو مختار البعض بناء على أن التكليف إنما يتعلق بالمكلف